الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
95
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
المظلمة عن سماء أرواحهم ، فلا خوف من عذاب إلهي ، ولا وحشة من موت وفناء ، ولا قلق ، ولا أذى الماكرين ، ولا اضطهاد الجبابرة القساة الغاصبين . اعتبر بعض المفسرين ذلك الغم والحسرة إشارة إلى نظير ما يتعرض له في الدنيا ، واعتبره البعض الآخر إشارة إلى الحسرة في المحشر على نتائج أعمالهم ، ولا تضاد بين هذين التفسيرين ، ويمكن جمعهما في إطار المفهوم العام للآية . " الحزن " : ( على وزن عدم ) ، و " الحزن " - على وزن عسر - كليهما لمعنى واحد كما ذهب إليه أرباب اللغة ، وأصله الوعورة والخشونة في الأرض وأطلق على الخشونة في النفس لما يحصل فيها من الغم ويضاده الفرح ( 1 ) . ثم يضيف أهل الجنة هؤلاء إن ربنا لغفور شكور . فبغفرانه أزال عنا حسرة الزلات والذنوب ، وبشكره وهبنا المواهب الخالدة التي لن يلقى عليها الغم بظلاله المشؤومة . غفر وستر بغفرانه الكثير الكثير من ذنوبنا ، وبشكره أعطانا الكثير الكثير على أعمالنا البسيطة القليلة القليلة ! أخيرا تنتقل الآية مشيرة إلى آخر النعم ، وهي عدم وجود عوامل الإزعاج والمشقة والتعب والعذاب ، فتحكي عن ألسنتهم الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب . الدار الآخرة هناك دار إقامة لا كما في الدنيا حيث أن الإنسان ما أن يألف محيطه ويتعلق به حتى يقرع له جرس الرحيل ! هذا من جانب . . ومن جانب آخر فمع أن العمر هناك متصل بالأبد ، إلا أن الإنسان لا يصيبه الملل أو الكلل ، أو التعب أو النصب مطلقا ، لأنهم في كل آن أمام نعمة جديدة ، وجمال جديد . " النصب " بمعنى التعب ، و " اللغوب " بمعنى التعب والنصب أيضا . هذا على ما تعارف عليه أهل اللغة والتفسير ، في حين أن البعض فرق بين اللفظتين فقال بأن ( النصب ) يطلق على المشاق الجسمانية ، و " اللغوب " يطلق على المشاق
--> 1 - مفردات الراغب .